هذا النص متوفر بلغات أخرى ايضا : اردو (الأردية)

وجوه الخير

الكتاب :تجلیات

المؤلف :خواجة شمس الدين عظيمي

URL قصير: http://iseek.online/?p=8415

الإنسان مفطور على حب المال والثراء بشدة كما نطق بذلك القرآن:

﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾  [1]

وهو يزعم أن القناطير المقنطرة من الذهب والفضة هي الكفيلة بحاجياته فلا يزال عاكفاً على اقتنائها وتحصيلها ، وهذا الزعم يؤدي إلى أن يتنافس مع غيره في جمع المال حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة ، ولا يبالي في هذا الصدد بإضاعة حقوق إخوته ، فيضع الطاقات الكبيرة التي أودعته القدرة إياها في غير موضعها ومقصدها من الطمع والجشع.

والإنسان يدعي أن ماله من كسب يده فهو المختار المطلق في طرق إنفاقه فلا وازع يردعه عن ذلك ، وهذه الفكرة تغرس في الإنسان العناد والخروج ، وإذا تحول هذا العناد إلى شجرة باسقة انقطعت علاقته بالله تعالى وأصبح في عداد ذرية قارون.

ومن أجل تقليل أهمية المال في قلوب المؤمنين وإشعارهم بالمنح الإلهية  قام القرآن بتصريف آياته في جعل المال ملكاً مشاعاً ، وتلقين الناس بأن انفاق ما أعطاهم الله تعالى له في سبيله هو بمثابة شكره على نعمه ، ولقد ربط القرآن نيل البر بإنفاق المحبوب في قوله: ﴿ لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [2]

ولقد وسع القرآن وجوه الإنفاق في قوله:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾[3]

في ضوء هذه الإرشادات القيمة أنفق أكثر فأكثر لخدمة خلق الله تعالى وابدأ بمن تعول ثم أضف إليهم الآخرين من الفقراء والمعوزين.

وضع في الحسبان أنك تنفق ابتغاء مرضاة ربك لا لشيئ آخر من غرض أو مكافأة أو سمعة ، وساعد المحتاجين في السر حتى لا يحدث فيك فعل الخير الكبر أو الإعجاب بما تعمل من الخير وإلا تجرح مشاعرهم ، وإذا قدمت معروفك إلى أحد فليكن في غير من ولا رياء كما قال الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾[4]

وإذا سألك أحد فلا تنهره، فإن كنت لا تستطيع أن تعطيه شيئاً فرده بقول معروف ومعذرة لينة ، فقد ورد في القرآن: ﴿  وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾ [5]

وكان نبينا خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم صاحب قصب السبق في السخاء والجود وإغاثة الملهوفين، واستقر رأي الصحابة كافة على أنهم ما رأوا أجود منه صلى الله عليه وسلم، وهذا المنهاج والنموذج العلمي ساعد في تكوين مجتمع كان الناس فيه يتدافعون للإنفاق في سبيل الله تعالى ، ولا يرجع سائل عن بابه صلى الله عليه وسلم صفر اليد ، وإذا أعوزه ما يسد به حاجته استدان شيئاً وسلمه للسائل، ولقد كان ديدنه قبل المبعث أن يعين الأيتام والأرامل والمساكين على نوائبهم ، وأول ما نزل عليه الوحي وشعر ببعض الوجل واسته السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها قائلة والله لا يخزيك الله أبداً. إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق [6].

والتاريخ يقدم لنا كل بينة على أنه صلى الله عليه وسلم لما عقد قرانه على السيدة خديجة الكبرى رضي الله تعالى عنها وهي من أثرياء  مكة أنفق كل ما ملك من المال بفضل هذا الزواج في سبيل الله عز وجل.

﴿ يقول ابن آدم : مالي مالي ، ومالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت﴾[7].

﴿ يا ابن آدم: إنك إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك﴾[8]

وكل هذا إنما يفرض علينا أن نبذل مالنا – في ضوء الأسوة الحسنة التي قدمها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم – في خير الوجوه وهو الإحسان إلى خلق الله تعالى لتتربى بذلك شخصيتنا ، وهكذا نجعل عفاريت عدم المساواة الاقتصادية مكتوفة الأيدي مشدودة الأرجل في مجتمعنا الإسلامي ، وكم كان النبي عليه الصلاة والسلام يكره جمع المال وينصح بتفريقه على من يستحقونه من الفقراء والمساكين ، ولقد روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ﴿من كان عنده فضل من ظهر فليعد به على من  لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له ﴾..حتى رأينا أن لا حق لأحد منا في فضل[9].

 


 

 

[1] سورة العاديات: الآية 8

[2] سورة آل عمران : الآية 92

[3] سورة البقرة: الآية 219

[4] سورة البقرة: الآية 264

[5] سورة الضحى: الآية 10

[6] انظر سيرة ابن هشام 237/1

[7] مسند الشاميين للطبراني

[8] صحيح مسلم

[9] مسند أحمد

هذا النص متوفر بلغات أخرى ايضا : اردو (الأردية)

تجلیات فصول من

ِ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ  ِ نبذة عن مؤلف الكتاب الشيخ/خواجة شمس الدين عظيمي  ِ 1 - القرآن الكريم  ِ 2 - الدجى المحدقة بالأرض  ِ 3 - النداء في السماء  ِ 4 - صورتنا  ِ 5 - تسخير الكون  ِ 6 - حب الثروة هو الوثنية  ِ 7 - غير المسلمين على خط التطور والتقدم  ِ 8 - تشييع الجثمان  ِ 9 - قاموس النيران  ِ 10 - بصائر الروح  ِ 11 - الغصن اليابس  ِ 12 - القلب المخلص  ِ 13 - الدعوة  ِ 14 - معالم الطريق  ِ 15 - الصيغ التكوينية  ِ 16 - التوبة والإنابة  ِ 17 - منابع الخير  ِ 18 - الإحسان العظيم  ِ 19 - نهج التحدث  ِ 20 - الحج  ِ 21 - الاستجابة لله تعالى في الإنفاق  ِ 22 - زوجتان  ِ 23 - الصراط المستقيم والمنهج القويم  ِ 24 - مسؤوليات المسلم تجاه الوالدين  ِ 25 - الحبّ  ِ 26 - رفقاً بالقوارير  ِ 27 - اليقظة  ِ 28 - قطرة من المياه  ِ 29 - صفات الله عز وجل  ِ 30 - جانبان من الحياة  ِ 31 - الوعي والمعرفة  ِ 32 - أعواد المكنسة  ِ 33 - الرزق  ِ 34 - الأمة في سبات  ِ 35 - التأسي بالأنبياء  ِ 36 - ماهي الحسنة؟  ِ 37 - المتعنتون  ِ 38 - الأرواح السعيدة  ِ 39 - أسس الحب والصداقة  ِ 40 - أشعة الشمس  ِ 41 - مرضاة الله تعالى  ِ 42 - الدنيا والآخرة  ِ 43 - أهمية الزوجة  ِ 44 - معرفة الذات  ِ 45 - الخوف الجاثم على الصدر  ِ 46 - الصوم  ِ 47 - المشاهد الكونية  ِ 48 - الدعاء  ِ 49 - المسجد  ِ 50 - هو العليم الخبير  ِ 51 - القنوط  ِ 52 - الاحتكار  ِ 53 - إنما المؤمنون إخوة  ِ 54 - كتاب الله تعالى  ِ 55 - لا تأخذه سنة  ِ 56 - الخزائن المكنونة في الإنسان  ِ 57 - يا لربنا من مبدع!  ِ 58 - نكران الجميل  ِ 59 - المرآة  ِ 60 - الوجوه العابسة  ِ 61 - في سبيل الله تعالى  ِ 62 - الكبر والتبجح  ِ 63 - شهر رمضان  ِ 64 - المقابر  ِ 65 - القرآن ووصفات التسخير  ِ 66 - خير حبيب  ِ 67 - كراهية الموت  ِ 68 - الإنسان المذنب  ِ 69 - هل يتصدق أهل النار على أهل الجنة ؟  ِ 70 - علم الاقتصاد  ِ 71 - أدب المجالس  ِ 72 - أفشوا السلام بينكم  ِ 73 - الغناء ومظاهر الفرح  ِ 74 - خدمة خلق الله تعالى  ِ 75 - نبينا المكرم صلى الله عليه وسلم  ِ 76 - الاصطبار والصمود  ِ 77 - الضيافة  ِ 78 - البسمة  ِ 79 - مفاسد السوق السوداء  ِ 80 - الصديق  ِ 81 - الدين والناشئة الجديدة  ِ 82 - المعراج  ِ 83 - الإحصائيات البشرية  ِ 84 - جائیداد میں لڑکی کا حصہ  ِ 85 - الدعوة إلى الدين  ِ 86 - سؤال الملك  ِ 87 - جبل من ذهب  ِ 88 - في بطن الحوت  ِ 89 - أسماء الأطفال  ِ 90 - وجوه الخير  ِ 91 - تحسين مناخ البيت  ِ 92 - شهود الغيب  ِ 93 - حقوق العباد  ِ 94 - الصديق الفقير  ِ 95 - داع ولا عمل له  ِ 96 - الاحتفال بالعيد  ِ 97 - جذب و شوق  ِ 98 - مخافة الموت  ِ 99 - جماعة من الملائكة  ِ 100 - وجعلناكم أمة وسطاً  ِ 101 - الظفر بالأهداف
إظهار الكل ↓

نرجو تزويدنا بآرائكم.

Your Name (required)

Your Email (required)

Subject

Category

Your Message