هذا النص متوفر بلغات أخرى ايضا : اردو (الأردية)

تشييع الجثمان

الكتاب :تجلیات

المؤلف :خواجة شمس الدين عظيمي

URL قصير: http://iseek.online/?p=8334

صديقنا الحاج كان يقطع الطريق بخطى حثيثة في وجوم وكانت عيناه مغرورقتان. فسلمت عليه وسألته عن سر إسراعه في كآبة ووجوم،  فأجاب بأن صديقاً له وهو الحاج رمضان قد انتقل إلى رحمة الله تعالى فعزيته في مصابه الجلل قائلاً: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾[1] .

لا شك أن كل إنسان له أن يجتاز هذه المرحلة ، ونحن – أنا وأنت- أيضاً نعيش جزءاً من الحياة حيث يجرفنا سيلها إلى مصب الموت. وإذا ودع اليوم الحاج رمضان أهله فغدا لابد أن يأتي دورنا في توديع أهالينا ؛ فهذه عملية مستمرة من البداية حتى النهاية.

كان صديقي الحاج رجلاً حسناً متواضعاً، وعلق على انطباعاتي قائلاً:  ليس المهم لماذا توفى الحاج رمضان إنما المهم أن ورثته حالوا دون تشييع جثمانه ، والأمر الغير المرضي هو أن له أربع بنات وابن، وأن له من المال والعقار ما لا يحصره العد ، وأن بناته الأربع وأزواجهن وأقاربه وذويه قد احتشدوا في قصره وهم يطالبون في إلحاح شديد بتوزيع تركة المتوفي أولاً وتشييع جثمانه لاحقاً ، وأنا صديق له ولقد طعنت في السن بحيث ابيض حاجباي ، فحاولت قصارى جهدي أن يتم أولاً تشيع الجثمان ثم توزيع التركة ، لكنهم لم يعيروا أذناً لرجائي. والذي يجري الآن أن المحامين من الطرفين المتخاصمين قابعون في غرفة الزيارة ، ويجري أمامهم إعداد قائمات بما ترك المتوفي رحمه الله من الأموال المرصودة بالإضافة إلى الحلي والمجوهرات والأمتعة المنزلية الأخرى ، واستقر رأيهم على ألا يسمح بتشييع جثمان المتوفى حتى تنتهي عملية توزيع الميراث على الأخوات والأخ. ولقد طال هذا الأمر إلى أن تميع جثمان المتوفي وسال، وإن غرفته مشحونة بالكتل الثلجية التي تذوب مع كل دقة ساعة وتذوب معها الشحوم المتراكمة في جسمه في عفونة متزايدة ، والحاج رمضان من أصدقائي، ولا يكاد يصبرصديق على انتهاك حرمة صديقه إلى هذا الحد. فهذا هو سبب وجومي وقلقي وكأني فقدت وعيي وبصيرتي، ولم أجد همة تسمو بي إلى البحث عن مصير الجثمان النهائي للشيخ الحاج رحمه الله وإيانا أجمعين.

عصر قلبي كل ما وقع على مسامعي من هذا الحدث الفظيع ، ولما أرخيت زمام التفكير في هذا الوضع الشنيع، نادتني آية من القرآن الكريم قائلة:

﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾[2] .

ولما قرعت هذه الآية ذهني انفتح الباب وتأكدت بأن جمع القناطير المقنطرة يجر إلى عواقب وخيمة، ومثل هؤلاء الرجال أولاً يخربون بيوت صحتهم بأيديهم فقلوبهم واهنة وأكبادهم معتلة وأجسامهم مليئة بمجموعة من الأمراض الفتاكة نحو البول السكري وضغط الدم والضعف الجنسي وحصى الكلى وقروح الرئة والأحجار في حوصلة المرارة والدزنطاريا في الأمعاء؛  فيطير نومهم ويتولى هدوءهم ويبغضهم الكل ولا تبقى كرامتهم في الأقارب والأصدقاء .وإذا أكرمهم أحد فلا يكون ذلك لهم إنما لمالهم الزائل، وإن مصائرهم النهائية لعبرة. وأما من ورثهم من الأولاد فإذا طمت بهم سورة الشباب تحرروا من كل القيود الأخلاقية ونبذوا ثقافتهم وراء ظهورهم ، وقصدوا أوكار المومسات لا يلوون على شيء، وإذا كان الوالدان على قيد الحياة فإن هؤلاء الأولاد الطالحين لا يكترثون لهما بل يبذرون ما جمعاه من المال في نوادي الخمور وأوكار المومسات حيث تجري أنهار من الخبث والخبائث، ولا يدخر الوالدين جهداً في إرشادهم وردعهم ويذرفان دموع الدم ويقطعان مهجعهما إياباً وذهاباً في انتظارهم ولكنهم لا يعلقون أهمية لأي شيء من هذا. فهل يستطيع أحد أن يدعي بأن مثل هؤلاء الأولاد ومثل هذه الأموال تفيض شيئاً من الراحة والانبساط؟

لا.. و كلا

إن هذه الثروة ليست سوى صورة من العذاب ، فالثروة لها صورتان:  الصورة الأولى تحرق صاحبها وتذره رماداً في عذاب وجحيم، والصورة الثانية تغمر قلبه بالسرور والحبور والرحابة والقناعة والتفتح للحياة وذلك إن أقبل على إنشاء الملاجئ لتأوي إليها الأرامل والأيتام، ويلوذ بها المنكوب بالكوارث والمحن، ولا يعيش مثل هذا الغني حياة الحيوان بل يحلي قلبه بالقناعة، ولا يكون أخرق عقل ولا أعمى عين، ويقصى نفسه عن ممارسة الهمجية.

إن كل فرد يطمح إلى تحصيل الغنى واقتناء الثروة ولا يرغب في الاقتداء بسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه فهو مهدد بآية:﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾[3] .

وإن سيرة النبي عليه الصلاة والسلام تكشف لنا أنه لم يهم قط بجمع المال أواقتناء الثراء وأن موقفه صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله تعالى عليهم أجمعين من المال يتجلى للمتبصر بكل وضوح في أن بيت مال المسلمين كان يملأ بكميات هائلة من أموال فارس والروم ، ولكنهم مع نفوذ كلمتهم في أرض لا تقل مساحتها من خمسمائة ألف ميل مربع إلا أنهم فضلوا إعاشة أهليهم وأولادهم بالكد والكدح البالغين ، والتصدق بما فضل على فقراء المجتمع ، وما سال لعابهم على تلك الأموال الطائلة التي كانت في أعناقهم أمانة للأمة.

وليس هناك شيء أخذل من المال فالمال لم يقابل أحداً بالوفاء بل هو شيء لا يزال يتقلب من يد إلى أخرى، وعلى العكس من ذلك فإن الرجل الذي لا يعبء بالمال ويعتبره شيئاً جديراً بجعله تحت الأقدام  يلاحقه المال من كل الاتجاهات، ولقد قال الله تعالى في محكم تنزيله :

﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾[4] .

فهذه المقادير الموزونة إنما تعين الهوية ، وبالرغم من أن الإنسان قد يلتصق بإنسان آخر بإرادته واختياره الحر ولا يترك فراغاً ولو بقدر مليمتر لكنهما يبقيان منفصلين متمايزين.فالقصد من تعيين المقادير هو التشخيص وإقامة الهوية، ولا يستطيع إنسان أن يخرق هذا القانون. وكما يملك الإنسان الإدراك كذلك المال هو الآخر يملك الإدراك ، فإذا فر الإنسان من هوية المال طارده المال حفاظاً على الاتزان الذي يفرضه قانون المقادير، وإذا سعى الإنسان وراء المال فإن المال حينها يخدعه ويسيطر عليه عذاب قاس.


 

[1] سورة العنكبوت: الآية 57

[2] سورة التوبة: الآية 24

[3] سورة التوبة: الآية 55

[4] سورة القمر: الآية 49

هذا النص متوفر بلغات أخرى ايضا : اردو (الأردية)

تجلیات فصول من

ِ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ  ِ نبذة عن مؤلف الكتاب الشيخ/خواجة شمس الدين عظيمي  ِ 1 - القرآن الكريم  ِ 2 - الدجى المحدقة بالأرض  ِ 3 - النداء في السماء  ِ 4 - صورتنا  ِ 5 - تسخير الكون  ِ 6 - حب الثروة هو الوثنية  ِ 7 - غير المسلمين على خط التطور والتقدم  ِ 8 - تشييع الجثمان  ِ 9 - قاموس النيران  ِ 10 - بصائر الروح  ِ 11 - الغصن اليابس  ِ 12 - القلب المخلص  ِ 13 - الدعوة  ِ 14 - معالم الطريق  ِ 15 - الصيغ التكوينية  ِ 16 - التوبة والإنابة  ِ 17 - منابع الخير  ِ 18 - الإحسان العظيم  ِ 19 - نهج التحدث  ِ 20 - الحج  ِ 21 - الاستجابة لله تعالى في الإنفاق  ِ 22 - زوجتان  ِ 23 - الصراط المستقيم والمنهج القويم  ِ 24 - مسؤوليات المسلم تجاه الوالدين  ِ 25 - الحبّ  ِ 26 - رفقاً بالقوارير  ِ 27 - اليقظة  ِ 28 - قطرة من المياه  ِ 29 - صفات الله عز وجل  ِ 30 - جانبان من الحياة  ِ 31 - الوعي والمعرفة  ِ 32 - أعواد المكنسة  ِ 33 - الرزق  ِ 34 - الأمة في سبات  ِ 35 - التأسي بالأنبياء  ِ 36 - ماهي الحسنة؟  ِ 37 - المتعنتون  ِ 38 - الأرواح السعيدة  ِ 39 - أسس الحب والصداقة  ِ 40 - أشعة الشمس  ِ 41 - مرضاة الله تعالى  ِ 42 - الدنيا والآخرة  ِ 43 - أهمية الزوجة  ِ 44 - معرفة الذات  ِ 45 - الخوف الجاثم على الصدر  ِ 46 - الصوم  ِ 47 - المشاهد الكونية  ِ 48 - الدعاء  ِ 49 - المسجد  ِ 50 - هو العليم الخبير  ِ 51 - القنوط  ِ 52 - الاحتكار  ِ 53 - إنما المؤمنون إخوة  ِ 54 - كتاب الله تعالى  ِ 55 - لا تأخذه سنة  ِ 56 - الخزائن المكنونة في الإنسان  ِ 57 - يا لربنا من مبدع!  ِ 58 - نكران الجميل  ِ 59 - المرآة  ِ 60 - الوجوه العابسة  ِ 61 - في سبيل الله تعالى  ِ 62 - الكبر والتبجح  ِ 63 - شهر رمضان  ِ 64 - المقابر  ِ 65 - القرآن ووصفات التسخير  ِ 66 - خير حبيب  ِ 67 - كراهية الموت  ِ 68 - الإنسان المذنب  ِ 69 - هل يتصدق أهل النار على أهل الجنة ؟  ِ 70 - علم الاقتصاد  ِ 71 - أدب المجالس  ِ 72 - أفشوا السلام بينكم  ِ 73 - الغناء ومظاهر الفرح  ِ 74 - خدمة خلق الله تعالى  ِ 75 - نبينا المكرم صلى الله عليه وسلم  ِ 76 - الاصطبار والصمود  ِ 77 - الضيافة  ِ 78 - البسمة  ِ 79 - مفاسد السوق السوداء  ِ 80 - الصديق  ِ 81 - الدين والناشئة الجديدة  ِ 82 - المعراج  ِ 83 - الإحصائيات البشرية  ِ 84 - جائیداد میں لڑکی کا حصہ  ِ 85 - الدعوة إلى الدين  ِ 86 - سؤال الملك  ِ 87 - جبل من ذهب  ِ 88 - في بطن الحوت  ِ 89 - أسماء الأطفال  ِ 90 - وجوه الخير  ِ 91 - تحسين مناخ البيت  ِ 92 - شهود الغيب  ِ 93 - حقوق العباد  ِ 94 - الصديق الفقير  ِ 95 - داع ولا عمل له  ِ 96 - الاحتفال بالعيد  ِ 97 - جذب و شوق  ِ 98 - مخافة الموت  ِ 99 - جماعة من الملائكة  ِ 100 - وجعلناكم أمة وسطاً  ِ 101 - الظفر بالأهداف
إظهار الكل ↓

نرجو تزويدنا بآرائكم.

Your Name (required)

Your Email (required)

Subject

Category

Your Message